بحث
  • رَكُدَ

قرارات السنة الجديدة



قرارات السنة الجديدة New Year’s Resolutions هو تقليد شائع في نصف الكرة الأرضية الغربي، حيث يقوم الناس مع بداية كل سنة جديدة بإلزام أنفسهم بوعود لتحسين أنفسهم وتطوير ذواتهم. وكوننا الآن في مطلع سنة ميلادية جديدة، فإننا نسمع كثيرًا عن هذه القرارات والوعود كالإقلاع عن التدخين، أو إنقاص الوزن أو الاشتراك في النادي وغيرها من الوعود. قد ينجح البعض في تحقيق هذه القرارات بينما الغالبية العظمى تفشل في ذلك. وفي #لحظة_فضول ..

١. تساءلت أولاً من أين جـائت فكرة القرارات السـنوية؟

٢. ولماذا يفشل الكثير في الالتزام بمثل هذه القرارات؟

٣. وكيف لنا أن نستفـيد من هذه الفكرة بشـكل فعّـال؟

بعد بحث سريع توصلت إلى أن الموضوع تاريخيًا له ارتباط ديني وثيق بعدة شعوب قديمة، وأقدم الآثار الموثقة تعود للبابليين في العراق قبل أكثر من 4000 سنة حيث كانوا يعِدون الآلهة بإعادة قروضهم وديونهم إلى مستحقيها بداية كل عام وتحديدًا في شهر مارس. وفي حقبة أخرى كان الرومان يبدأون كل سنة جديدة بتقديم الوعود لإلههم يانوس، وهو إله الأبواب والبدايات الزمنية عندهم، وقد سمي شهر يناير بذلك نسبة إليه. كما نجد هذه العادة في الأديان السماوية كذلك، فخلال رأس السنة اليهودية رُوش هَشَنَه، يخصص اليهود يومًا كاملاً لمحاسبة النفس والاستغفار لخطايا العام المنصرم، ويسمون ذلك اليوم بـ يوم كيپور “يوم التكفير” أو “يوم غسل الخطايا”. وعلى نحو مماثل لدى النصارى في موسم (الليتورجي) المسيحي أو موسم الصوم الكبير. أما في الإسلام فيعتبر الكثير من المسلمين دخول شهر رمضان محطة سنوية لمحاسبة النفس وتجديد للإيمان.

[إثر بحثي عن هذا الموضوع أصبح لدي الآن فضول أكبر حول تاريخ التقويم الميلادي والهجري وكيف تغيرت عبر العصور. لماذا غير الرومان بداية السنة الميلادية إلى يناير؟ ولماذا اعتبرت بداية السنة الهجرية بشهر محرم وليس بشهر رمضان مثلا أو ربيع الأول حيث تمت الهجرة؟ أسئلة كثيرة وجدت إجابات مقنعة لبعضها ولم أجد للبعض الآخر .. موضوع قد يستاهل برالوقة خاصة .. المهم نرجع لموضوعنا ..]

وبغض النظر عن الدين أو الوقت نجد أن فكرة محاسبة الذات والرغبة في تطويرها خلال محطات سنوية هي فكرة قديمة وشائعة إضافة إلى أنها متوافقة مع الطبيعة البشرية التي تسعى دوما للتطوير والتحسين. وما هذه المحطات السنوية إلا تذكير بأن الوقت يمضي، وعداد السنوات قد زاد رقمًا، وها هي سنة جديدة وفرصة مواتية لمراجعة ما تم إنجازه خلال العام وما نود تغييره في العام الجديد.

قد نتسائل عن سبب فشل الكثير منا في الالتزام بهذه الوعود السنوية، وقد نجد أنفسنا نكرر نفس الوعود عامًا بعد عام.


وللإجابة على ذلك حاولت في هذه البرالوقة تلخيص أبرز أسباب الفشل في تحقيق هذه الوعود والأهداف سواءً من تجربتي الشخصية أو من تجارب الآخرين، متبعًا كل سبب بطرق ونصائح أرجو أن تساعدك في التغلب عليها:

١. اتخاذ قائمة طويلة من القرارات. أو بين قوسين (تكبير اللقمة)، وغالبا ما ينتج هذا من الحماسة الزائدة والرغبة في التغيير السريع دون التفكير بالعواقب. الحل الأمثل يكمن في تقليص القرارت إلى قرار واحد فقط وهذا القرار يقسم إلى أجزاء ومراحل صغيرة حيث تركز كل الجهود عليها بخطة واقعية زمنية قابلة للقياس والمتابعة إلى أن تصبح عادة ويتم النجاح في تحقيقها ومن ثم الانتقال للتالي. وتأتي أهمية تقسيم القرارات إلى أهداف صغيرة لآثارها التابعة مثل الشعور بالإنجاز مع كل خطوة تخطوها نحو تحقيقك للهدف مما يساعد على تعزيز الثقة بالنفس والاستمرار حتى النهاية.

٢. بوح وإعلان الأهداف أو القرارات للآخرين. وقد يتناقض ذلك مع ما قد يتخيله الكثير من فوائد إعلان الأهداف مثل التحفيز والضغط الاجتماعي أو ما يسمى بالـ Peer Pressure وأن إعلانك قد يضعك في موقف حرج يرغمك على تحقيقه .. لكن لننظر للموضوع من زاوية مختلفة. ففي إحدى خطب تيد قام ديريك سيڤرز (مقطع مدته أقل من ٣ دقائق) بعد جمعه وتلخيصه لمجموعة من دراسات علماء النفس على مر الـ ٩٠ عامًا الماضية عن خطورة البوح بأهدافك للآخرين ويكمن السبب بأن ذلك قد يؤدي إلى الشعور الوهمي بتحقيقك للهدف إثر سماعك لثناء الناس عليك قبل عملك لأي شي حيال ذلك. [شخصيا لدي رأي يجمع الفكرتين ولأني لازلت في طور التجربة اخترت تأجيل الحديث عنه في برالوقة منفصلة، لكن تهمني آرائكم في التعليقات]

٣. عدم توثيق الإنجازات و إهمال مراقبة التطورات. تحقيق هذه القرارات السنوية والتي ترتبط أغلبها إما على بناء عادة جديدة أو التخلص من عادة غير مرغوب بها، هي عملية ليست بالسهلة خصوصا عند رغبتنا بالتخلص من عادات استمرت معنا لفترات طويلة. وبالمثل عند رغبتنا لبناء عادات صحية جديدة تستمر معنا مدى الحياة. يطول الحديث حول هذا الموضوع، لكن ما أود الإشارة له هنا هو أن عملية البناء أو التخلص من العادات تتطلب منا التسلح بأسلحة تسهل علينا الاستمرار. أحد أهم هذه الأسلحة هو سلاح التوثيق والمتابعة. فبدلاً من الاعتماد على الذاكرة تستطيع أن ترى أمامك مدى تطورك واقترابك خطوة بخطوة نحو الهدف. تستطيع أن تحدد بسهولة مواطن القوة والضعف، كما أن متابعة سير العمل يسهل عليك التركيز حتى تصل إلى الهدف المنشود. [المزيد عن طرق التوثيق الفعّالة وأساليب بناء العادات في برالوقات قادمة بإذن الله]

٤. التسويف. لا تنتظر ليلة رأس السنة الجديدة، أو يوم ميلادك، أو الفصل الدراسي الجديد أو أي يوم تعتقد واهمًا أنك لن تستطيع أن تبدأ رحلة التغيير وتفعيل قرارك الجديد إلا بقدوم ذلك اليوم. ابدأ الآن، مهما كان اليوم. فكل يوم هو بداية لسنة جديدة. مما يعني أن كل يوم هو فرصة لتفعيل قرار سنة جديدة. إحدى الحيل التي احتلت بها على نفسي للالتزام بالكتابة اليومية في الكتاب الأسود 2015 بعد عدة إخفاقات وانقطاعات في 2014 هي أني بدأت بتحدي يومي لمدة ٣ أشهر قبل نهاية 2014 اعتبرتها كتدريب على الكتابة إلى أن تحين السنة الجديدة. مما سهل علي خلق وتثبيت عادة الكتابة في الكتاب الأسود عام 2015 والاستمرار عليها لأغلب أيام السنة. وبفضل من الله ثم بفضل هذه الشهور القليلة كان استمراري على هذه العادة أسهل بكثير من محاولة بدايتها من مطلع السنة ومن ثم تركها لعدة شهور.

ختاماً .. اسأل نفسك الأسئلة التالية:

لو أنك الآن بصدد سنة جديدة، ماذا ستكون أهم قراراتك؟ اختر قرارًا واحدًا ثم اختبره لترى هل هو واقعي، قابل للقياس والتجزئة؟

حدد أول خطوة لتحقيق هذا الهدف .. ولا تنتظر ..

ابدأ الآن!

اجعل هدفك أن تكون اليوم أفضل من البارحة. اجعل اليوم، وكل يوم بداية لسنة جديدة. 

وكل يوم وأنتم بخير.

39 مشاهدة2 تعليق

-

© 2020 by RAKUDA PRODUCTIONS

-

|  عربي  English | 日本語